مجمع البحوث الاسلامية

38

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

مستحيل على اللّه تعالى ، كما جاءت به الرّواية عنهم عليهم السّلام : « بأنّ اللّه لم يبد له من جهل » ، وقوله عليه السّلام : « ما بدا للّه في شيء إلّا كان في علمه قبل أن يبدو له » . وقد تكثّرت الأحاديث من الفريقين في « البداء » مثل : « ما عظّم اللّه بمثل البداء » . وقوله : « ما بعث اللّه نبيّا حتّى يقرّ له بالبداء » أي يقرّ له بقضاء مجدّد في كلّ يوم بحسب مصالح العباد ، لم يكن ظاهرا عندهم . وكأنّ الإقرار عليهم بذلك ، للرّدّ على من زعم أنّه تعالى فرغ من الأمر ، وهم اليهود ، لأنّهم يقولون : « إنّ اللّه عالم في الأزل بمقتضيات الأشياء ، فقدّر كلّ شيء على وفق علمه » . وفي الخبر : « الأقرع والأبرص والأعمى بدا للّه عزّ وجلّ أن يبتليهم » أي قضى بذلك ، وهو معنى « البداء » هاهنا ، لأنّ القضاء سابق . ومثله في اليهود : « بدا للّه أن يبتليهم » أي ظهر له إرادة وقضاء مجدّد بذلك عند المخلوقين . وفي حديث الصّادق عليه السّلام : « ما بدا للّه في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني » يعني ما ظهر له سبحانه أمر في شيء كما ظهر له في إسماعيل ابني ، إذ اخترمه قبلي ، ليعلم أنّه ليس بإمام بعدي . وفي حديث العالم عليه السّلام : « المبرم من المفعولات : ذوات الأجسام المدركات بالحواسّ ، من ذوي لون وريح ووزن وكيل ، ومادبّ ودرج من إنس وجنّ وطير وسباع ، وغير ذلك ممّا يدرك بالحواسّ ، فللّه تبارك وتعالى فيه البداء ، ممّا لا عين له ، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء ، واللّه يفعل ما يشاء » . وفيه من توضيح معنى « البداء » ما لا يخفى . وقال الشّيخ في « العدّة » : وأمّا البداء فحقيقته في اللّغة : الظّهور ، ولذلك يقال : بدا لنا سور المدينة ، وبدا لنا وجه الرّأي ، قال تعالى : وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا الجاثية : 33 ، وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا الزّمر : 48 ، ويراد بذلك كلّه : ظهر . وقد يستعمل ذلك في العلم بالشّيء بعد أن لم يكن حاصلا ، وكذلك في الظّنّ . فأمّا إذا أضيفت هذه اللّفظة إلى اللّه تعالى فمنه ما يجوز إطلاقه عليه ، ومنه ما لا يجوز . فأمّا ما يجوز من ذلك ، فهو ما أفاد « النّسخ » بعينه ، ويكون إطلاق ذلك عليه على ضرب من التّوسّع . وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصّادقين عليهما السّلام من الأخبار المتضمّنة لإضافة « البداء » إلى اللّه تعالى ، دون ما لا يجوز عليه ، من حصول العلم بعد أن لم يكن . ويكون وجه إطلاق ذلك عليه والتّشبيه ، هو أنّه إذا كان ما يدلّ على « النّسخ » يظهر به للمكلّفين ما لم يكن ظاهرا ، ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلا ، وأطلق على ذلك لفظ « البداء » . قال : وذكر سيّدنا المرتضى قدّس روحه وجها آخر في ذلك ، وهو أن قال : يمكن حمل ذلك على حقيقته ، بأن يقال : « بدا للّه » بمعنى أنّه ظهر له من الأمر ما لم يكن ظاهرا له ، وبدا له من النّهي ما لم يكن ظاهرا له ، لأنّ قبل وجود الأمر والنّهي لا يكونان ظاهرين مدركين ، وإنّما يعلم أنّه يأمر أو ينهى في المستقبل .